الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
57
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يجوز أن تكون الواو عاطفة على جملة يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [ المؤمنون : 51 ] إلخ ، فيكون هذا مما قيل للرسل . والتقدير : وقلنا لهم إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً الآية . ويجوز أن تكون عطفا على قصص الإرسال المبدوءة من قوله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [ المؤمنون : 23 ] لأن تلك القصص إنما قصت عليهم ليهتدوا بها إلى أن شأن الرسل منذ ابتداء الرسالة هو الدعوة إلى توحيد اللّه بالإلهيّة . وعلى هذا الوجه يكون سياقها كسياق آية سورة الأنبياء [ 92 ] إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً الآية . وفي هذه الآية ثلاث قراءات بخلاف آية سورة الأنبياء . فتلك اتفق القراء على قراءتها بكسر همزة ( إن ) . فأما هذه الآية فقرأ الجمهور وأن بفتح الهمزة وتشديد النون ، فيجوز أن تكون خطابا للرسل وأن تكون خطابا للمقصودين بالنذارة على الوجهين وفتح الهمزة بتقدير لام كي متعلقة بقوله : فَاتَّقُونِ عند من لا يرى وجود الفاء فيه مانعا من تقديم معموله ، أو متعلقة بمحذوف دل عليه فَاتَّقُونِ عند من يمنع تقديم المعمول على العامل المقترن بالفاء ، كما تقدم في قوله تعالى : فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ في سورة النحل [ 51 ] . والمعنى عليه : ولكون دينكم دينا واحدا لا يتعدد فيه المعبود . وكوني ربكم فاتّقون ولا تشركوا بي غيري ، خطابا للرسل والمراد أممهم . أو خطابا لمن خاطبهم القرآن . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بكسر همزة ( إنّ ) وتشديد النون ، فكسر همزة ( إن ) إما لأنها واقعة في حكاية القول على الوجه الأول ، وإمّا لأنها مستأنفة على الوجه الثاني . والمعنى كما تقدم في معنى قراءة الجمهور . وقرأ ابن عامر بفتح الهمزة وتخفيف النون على أنها مخففة من ( أنّ ) المفتوحة واسمها ضمير شأن محذوف وخبرها الجملة التي بعدها . ومعناه كمعنى قراءة الجمهور سواء . واسم الإشارة مراد به شريعة كل من الأنبياء أو شريعة الإسلام على الوجهين في المخاطب بهذه الآية . وتأكيد الكلام بحرف ( إن ) على القراءات كلها للرد على المشركين من أمم الرسل أو المشركين المخاطبين بالقرآن . وتقدم تفسير نظيرها في سورة الأنبياء ، إلا أن الواقع هنا فَاتَّقُونِ وهناك